مقالات / عكاظ

ثقافة توثيق المناسبات

عندما تنقلب المفاهيم على عقبيها، يبدو تغير المفهوم واضحا وجليا للجميع. والأمثلة كثيرة.. فكل ما تتم ملاحظته من تغير في المفاهيم.. هو خاضع لهذا المبدأ. ولكن المفاهيم التي يتغير مسارها تدريجيا وعلى فترات زمنية طويلة، لا تظهر عليها الاختلافات واضحة، فالانحراف الجزئي عن المسار، والحالة تلك، ليس ذا قيمة عالية.

توثيق المناسبات بالصور تطور ونما خلال القرن الماضي كاملا وبشكل انسيابي، ليصبح جزءا مهما من كل مناسبة.. التي يرى الكثيرون أنها لا تكتمل بدونه. ومع بدايات القرن الحالي – الألفية الجديدة ــ تحولت قيمة توثيق المناسبة من جزء مكمّل إلى أساس، فأصبح التوثيق أكثر أهمية من المناسبة ذاتها. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت للتصوير إثارة جديدة نابعة من (شهوة) الحصول على (إعجاب) الآخرين.. أو (تعليق) إيجابي يغذي حبّ الذات.. أو ربما (إعادة إرسال). هذه الطقوس في ذاتها أصبحت أكبر من حجم المناسبة وأكثر أهمية.

تصوير وجبة في المطعم حين تجمُّع الأسرة أو الأصدقاء.. أهم كثيرا من (مفهوم) ذلك الاجتماع وقيمته.. وتصوير حفل تخرج لطالب أو طالبة.. أهم من مفهوم حفل التخرج ذاته.. وتوثيق حفل زواج.. أصبح أكبر – اعتباريا ــ من مفهوم الحفل ذاته.. والتقاط الصور في السفر.. أهم من مفهوم السفر.. والقائمة طويلة ولا تنتهي.

المدهش هو أن ثقافة التوثيق أصبحت تطغى على مفهوم المناسبات الإنسانية بشكل عام.. وربما يتم تأجيل المناسبة – حفل.. سفر.. اجتماع.. عمل إنساني ــ بسبب غياب التوثيق.. هذه الثقافة هي ولادة طبيعية لمجتمع احتفالي.. احتفاله بالمناسبة أهم كثيرا من المناسبة ذاتها..

ليس مستبعدا أن تشهد المجتمعات الاحتفالية ظاهرة الاجتماع فقط لالتقاط صورة تعبر عن مناسبة ما.. دون إقامة المناسبة ذاتها. أو إقامة مناسبة – حقيقية أو وهمية ــ من أجل التوثيق والتصوير فقط!

هذه الثقافة تحتاج لتوعية على مستوى العالم العربي.. من خلال مؤسسات التعليم.. مما يعني أن تبدأ مؤسسات التعليم تطبيق هذه التوعية على نفسها وعلى طلابها وطالباتها.. فالانسياق وراء الأهواء إلى الدرجة التي تقلب المفاهيم على عقبيها، يعتبر مسؤولية تتحملها الجهات الثقافية المهتمة بالنشء. فمثل هذه الموروثات اللزجة لا يمكن التخلص منها إلا بجيل جديد يتبنى مهمة إعادة بناء المفهوم.

من المهم رفع درجة قيم الإنسانية؛ بالعودة إلى مفهوم ثقافة المناسبة ذاتها وليس توثيقها لتلبية شهوة النشر والحصول على الإعجابات والتعليقات. المفهوم سيتغير فقط بتغير هذه المفردة الثقافية.

* كاتب سعودي

[email protected]ahoo.com


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا