الارشيف / السعودية / عناوين

الجوكر.. تراجيديا الواقع

منذ 43 دقيقة ,3 نوفمبر 2019

حجم الخط |

صدمة!! سمعت الكثير عن فيلم الجوكر الذي حصد جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا الدولي؛ وهي أكبر جوائز المهرجان، وتقييماته العالية حيث احتل المرتبة التاسعة لأفضل (250 فيلم) في التاريخ السينمائي حسب موقع ‪IMDb)‬) الشهير. إضافة إلى المخاوف والاستعدادت الأمنية في أمريكا أثناء عرضه. لا أخفيكم اعتراني الفضول لمشاهدة الفيلم رغم أنه بالعادة ليس في دائرة اهتماماتي الشخصية.

ذهبت والحماس يلازمني للاستمتاع بمشاهد الأكشن والإثارة المتوقعة من أفلام الكوميكس، وابتسامتي متأهبة للاتساع عند أقرب مشهد كوميدي.

صدمة!! لم أتأهب نفسياً لهذا النوع من الأفلام أو بالأحرى منذ زمن طويل مخذولة من الطرح السينمائي الأمريكي كما فقدت الحماس والترقب من حضور فيلم ذي عمق فكري ونفسي بعيد عن التسطح الحالي، فعلى وجه السرعة ومنذُ الخمس دقائق الأولى فهمت أن الفيلم ليس للمتعة والإثارة وأني على شفا حضور فيلم على ما يبدو قنبلة الموسم حينها رفعت سقف توقعاتي وعدلت وضعية جلوسي وشحذت تركيزي وأدخلت ابتسامتي في جيبي ما أن ألجمتها ابتسامة البهلوان الفارغة التي فُرضت عليه بشخصية أرثر البسيطة والمهتزة في مشهد أسطوري استوقفني كثيراً حينما قام بعمل وجه كوميدي و تراجيدي في آنَ واحد؛ حيث كان يجلس أمام المرآة بوجهه الملطخ بالألوان بعشوائية يحاول بجهد رسم ابتسامة مغتصبة وذلك بمط شفتيه إلى أقصى خديه مستخدماً إصبعيه ودموعه تتساقط ببطْء شديد في محاولة ثقيلة منه لمعرفة كنة شعوره في ظل الواقع المتناقض الذي يعيشه فداخله تعيس ومتعب ولكن عليه الابتسام كبهلوان وهذه هي المأساة بحد ذاتها .

الفيلم هو تراجيديا إنسانية خيالية مستوحاة من الواقع من إخراج المبدع (تود فيليبس) وهذه إحدى المفارقات العجيبة في الفيلم ومصدر من مصادر الإلهام؛ فمن المعروف أن المخرج تود هو من قام بإخراج ثلاثية ( أفلام هانق أوفر الكوميدية الشهيرة )؛ وقد وافق المخرج على هذا التحول الكبير والمجازف – من إخراج الأفلام الكوميدية إلى إخراج أفلام الكوميكس التي لا تستهويه أبداً – بعد أن عرضت عليه ( شركة وارنر برذرز المنتجة ) إخراج الفيلم ومنحته الحرية المطلقة لطرح الفيلم كدراما مستوحاة من الواقع بدل من خيال الكومكس. قام المخرج ( تود فيليبس ) والمؤلف (سكوت سيلفر) بكتابة السيناريو سوياً واستلهاما الشخوص بعد دراسة مكثفة للشخصيات في فترة السبعينيات والأعمال الفنية الرائدة في تلك الفترة .
ومن المعروف أن بطل الفيلم هو الممثل المرشح لعدة جوائز أوسكار ( خواكين فينيكس ) والذي يؤدي دور مركب ( أرثر فليك الطيب / والجوكر الشرير ) .

وتدور أحداث الفيلم حول أرثر الفقير الذي يعيش في مدينة جوثام مع والدته المريضة ويعمل بهلوانياً متواضع، وأكبر أحلامه أن يكون كوميديان شهير، ويعاني أرثر من مرض عصبي يسبب له نوبات من الضحك الهستيري المتواصل في أوقات غير ملائمة والتي تناقض داخله المتألم والتعيس إلى أن يصل إلى نقطة تحوله إلى الجوكر القاتل.

لا أنصح بالفيلم لصغار السن أو لمتلهفي المتعة و الضحك مخافة الصدمة، ولو أني استمتعت جداً بجودة العمل والشغف الواضح بين ثنايا التفاصيل من الأداء إلى الإنتاج ؛ فمن الجلي أنً خواكين الفنان المبدع قد اجتهد في الاستعداد للدور والاهتمام بأدق التفاصيل وذلك يتجلى بوضوح في نحوله الشديد الذي يتطلبه الفيلم وفي عبقرية أدائه في التحول الكبير من شخصية أرثر الضعيف الحالم إلى شخصية الجوكر الواثق القاتل، فلكل شخصية لغة جسد ومشية وطريقة حديث تختلف تماماً عن الأخرى بالإضافة إلى الضحكة الشهيرة التي تعتبر التوقيع الخاص بشخصية الجوكر، والتي كانت بمثابة القرار الفاصل ومثار القلق لدى خواكين في قبوله الدور من عدمه لأنه في قرارة نفسه علم أن أساس الفيلم هو الضحكة فعمل تجارب أداء عديدة مع المخرج حتى توصل للضحكة المنشودة، كما تظهر روعة أدائه في ارتجاله لرقصة شارلي شابلن على الدرج النيويوركي الشهير وفي انحناءة ظهره الحزينة وفي ضحكته المصطنعة التي يقطعها فجأة بمجرد انتقاله لمكان أبعد عن الآخرين في إحدى المشاهد المبهرة له لأنه ببساطة محروم من نعمة الإحساس بالكوميديا والضحك وذلك يتضح جلياً في رحلته لإثبات ذاته في عالم الكوميديا كتعويض عن نقصه،  ممثل حقيقي يؤدي بشغف واستمتاع ظاهرين يجبرك على الدهشة والذهول في كل مشهد.

ومضة

أتفق كثيراً مع مقولة “يولد الإبداع من رحم المعاناة ” فغالباً مايكون الممثلون المبدعون في عالم هوليود قد تعرضوا في مرحلة من مراحل حياتهم لتراجيديا ما. لذلك يكون أداؤهم ذا عمق وإحساس مختلف عن غيرهم.

فلسفة الفيلم مختلفة ومميزة عن  ما هو معتاد أو عن الفكرة التقليدية والنمطية عن الأبطال الخيرين حيث أن هذه المرة البطل هو شخصية شريرة تجعلك تعيش حالة من التحولات النفسية معها فمن شخصية تتعاطف معها وتشعر بالأسى تجاهها إلى شخصية تبغضها وتنفر منها.

استطاع هذا الفيلم أن ينقلنا من المتوقع إلى اللا متوقع ومن الكوميديا إلى التراجيديا، والجميل فيه أنه قابل للتأويل ويختلف في تأويله من شخص لآخر.

وعلى عكس ما شاع على أن الفيلم يدعو للعنف ويبرر القتل، إلا أنه كجرس إنذار توعوي وتحذيري يسلط الضوء ويناقش قضايا عميقة ومهمة وتحتاج إلى توعية مثل: أثر التنمر بكافة مستوياته على الفرد والمجتمع، وأثر التعنيف والصدمات النفسية على الطفل لاحقاً وأن كان بسياق درامي خيالي وغير تقليدي وعنيف كمحصله نختلف معهم بها .

وفي نهاية ذلك كله نجحت شركة (وارنر برذرز) في إنتاج و صنع فيلم استثنائي وتحفة فنية – ‪Master Piece‬ – رغم أن الفيلم من سلالة أفلامها الاستهلاكية أو التجارية إلا أنه بعيد كل البعد عن هذا التصنيف فهو حالة قائمة بذاتها إبداع مختلف فيلم أوسكاري بامتياز- عبقرية في في كل جملة وحوار وأداء وإخراج وتصوير و موسيقى – فلقد تم تصوير المشاهد واختيار الموسيقى لتحاكي تلك الحقبة الزمنية، كما تم مراعاة التوقيت المثالي لعمل الزوم إن والزوم أوت وكذلك دقة اختيار الزوايا المناسبة لكل مشهد مما أعطى أبعاد فنية للفيلم أضفت طابع خاص للشخصية و مميز وعززتها .

تضاربت الآراء حول الفيلم بين مؤيد ومعارض و مادح وقادح ، لذا لنتفق على ألا نتفق على رأي واحد للفيلم لأنه فيلم جدلي بامتياز مثير للنقاش ومحرض للكتابة جداً والخوض فيه مجازفة خطيرة حاولت تجاهل حتى اعجزني ندائه فكتبته .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا